محمد بن جرير الطبري

44

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وقد اختلف أهل العربية في " حنانيك " فقال بعضهم : هو تثنية " حنان " . وقال آخرون : بل هي لغة ليست بتثنية ؛ قالوا : وذلك كقولهم : حواليك ؛ وكما قال الشاعر : ضربا هذاذيك " وطعنا وخضا وقد سوي بين جميع ذلك الذين قالوا حنانيك تثنية ، في أن كل ذلك تثنية . وأصل ذلك أعني الحنان ، من قول القائل : حن فلان إلى كذا وذلك إذا ارتاح إليه واشتاق ، ثم يقال : تحنن فلان على فلان ، إذا وصف بالعطف عليه والرقة به ، والرحمة له ، كما قال الشاعر : تحنن علي هداك المليك * فإن لكل مقام مقالا بمعنى : تعطف علي . فالحنان : مصدر من قول القائل : حن فلان على فلان ، يقال منه : حننت عليه ، فأنا أحن عليه حنينا وحنانا ، ومن ذلك قيل لزوجة الرجل : حنته ، لتحنته عليها وتعطفه ، كما قال الراجز : وليلة ذات دجي سريت * ولم تضرني حنة وبيت وقوله : وَزَكاةً يقول تعالى ذكره : وآتينا يحيى الحكم صبيا ، وزكاة : وهو الطهارة من الذنوب ، واستعمال بدنه في طاعة ربه ، فالزكاة عطف على الحكم من قوله : وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَزَكاةً قال : الزكاة : العمل الصالح . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : وَزَكاةً قال : العمل الصالح الزكي . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت لأبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول : في قوله وَزَكاةً يعني العمل الصالح الزاكي . وقوله : وَكانَ تَقِيًّا يقول تعالى ذكره : وكان لله خائفا مؤديا فرائضه ، مجتنبا محارمه مسارعا في طاعته . كما : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا قال : طهر فلم يعمل بذنب . حدثني يونس ، قال : خبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا قال : أما الزكاة والتقوى فقد عرفهما الناس . القول في تأويل قوله تعالى : وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا يقول تعالى ذكره : وكان برا بوالديه ، مسارعا في طاعتهما ومحبتهما ، غير عاق بهما وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا يقول جل ثناؤه : ولم يكن مستكبرا عن طاعة ربه وطاعة والديه ، ولكنه كان لله ولوالديه متواضعا متذللا ، يأتمر لما أمر به ، وينتهى عما نهي عنه ، لا يعصي ربه ، ولا والديه . وقوله : عَصِيًّا فعيل بمعنى أنه ذو عصيان ، من قول القائل : عصى فلان ربه ، فهو يعصيه عصيا . وقوله : سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا يقول : وأمان من الله يوم ولد ، من أن يناله الشيطان من السوء ، بما ينال به بني آدم ، وذلك أنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كل بني آدم يأتي يوم القيامة ولا ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكريا " . حدثنا بذلك ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، قال : ثني ابن العاص ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك . حدثنا الحسن ،